Church Magazine

January and Feruary 2006

Happy New Year

"لأني أسكب ماءً على العطشان و سيولاً على اليابسة "إشعياء 44 :3

 

الهـــــارب

قصة من واقع الحياة

جلس في مكتبه في لندن ، شاب اصفر الوجه ، متعب النفس ، يكتب في بطء وتثاقل وقد تسرب الضباب الكثيف إلى داخل المكتب ، حتى اضطر إلى إضاءة الأنوار ، واستمروا يعملون عملهم في صمت ورهبة ، الى ان القى الكاتب الذي بجوار صاحبنا هذا ، قلمه فجأة ، واقترب منه وهمس في اذنه قائلاً: "اعطني نصف جنيه يا جو ، إنني محتاج إليه جداً" . فقال : نصف جنيه ؟! أنت تعلم ان ليس لدي شيء . فأجابه قائلاً لا تتعجل ، ثم اقترب جداً من أذنه وقال: "إنني عالم بسرك ، يجب ان تنتهز الفرصة لتكسبني قبل أن أسلمك للسلطات المختصة". فامتقع وجه جو وتمتم قائلاً : أنت لا تعرف عني أي شيء ، أي سر لي ؟ فأجابه : إذن اريد ان اعرف ما شأن أحد جنود الجيش في هذا المكتب ؟ فأجابه قائلاً لست جندياً الآن. لقد رحلت فرقتي إلي بلاد أجنبية حينما كنت مريضاً ، وليس هي غلطتي في ان امكث هنا ‍ فأجاب : "لا.لا. انك لا تستطيع ان تخدعني . ما أنت إلا هارب جبان وسوف احرص على ان اخبر كل واحد بذلك إذا أنت لم تدفع أجرة صمتي ". فقال وهو يرمي بالنقود إليه : "لا تقل شيئاً خذ أجرتك‍ ‍‍فوضع ذلك النقود في جيبه وعلى فمه ضحكة النصرة، واستأنف كل منهما عمله، وارتسمت تلك الكلمات أمام جو بينما كان يحاول أن يواصل عمله بنفس مثقلة وقلب خافق … وكأن كلمة "هارب" قد اخترقت نفسه فأشعلت فيها نار مؤججة اذ تصور نفسه موثوق اليدين مكبلاً بالقيود ، محاطاً بالجنود ، مسوقاً إلى المعسكر ثانية وانحنت روحه تحت ضغط فعلته المخزية … أسفاً على جو المسكين : لقد عرف ان "طريق الخطية وعر"

إن أفواه المدافع في ساحة القتال بدت أخف وطأة من الرعب الذي يهدده باستمرار ، رعب يد البوليس تقبض على عنقه … . أو رعب التهديد من زميله الكاتب .

ومن ذلك الوقت أصبحت حياته ، حياة البؤس المطبق … ولننظر إليه بعد تسع سنوات سائراً في شوارع لندن وقد انحنت قامته قليلاً ، ليس من تقدم العمر لأنه لا زال شاباً ، ولكن من ثقل الخطية التي كان يحصد نتيجتها يومياً والتي حنته قبل الأوان، ولنتتبعه اذ يدخل مكتب البريد ، وبينما هو منتظر هناك ، يستند إلى الحائط اذ به ينظر في ذهول … ترى ماذا حدث ، فملك على نفسه ؟

إنها لوحة كبيرة معلقة على الحائط ، لم يهتم بها أحد الحاضرين بل قلما نظر إليها أحد … دعنا إذا نتأمل تلك اللوحة ، كانت كلماتها الأولى هكذا :

" من جلالة الملكة ، عفو شامل ، عن الجنود الذين هربوا من المعسكرات".

خفق قلب جو خفقاً عالياً ، بينما هو يقرأ أن الملكة فكتوريا بمناسبة مرور 15 سنة على حكمها قد أصدرت عفواً شاملاً عن جميع الجنود الهاربين بشرط ان يخبروا عن أنفسهم في بحر شهرين واختم الإعلان بهذا القول : نحن نعلم ان أي شخص أشير إليه هنا لا يتيح لنفسه فرصة هذا العفو سوف يتعرض لأشد العقوبات بمحكمة عسكرية تنعقد في محكمة وندزور في يوم 17 حزيران يونيه سنة 1887

فقال جو : هذا عظيم جداً ولكنه لا يكاد يصدق ، لا شك أن هذا ينطبق على الحالات السهلة ولكن عفو جلالة الملكة لا يمكن ان يشمل مسكيناً مثلي ‍ وهكذا مضى في بؤسه ، ستة أسابيع أخرى وهو متردد متباطئ وفي ليلة ما ، بلغ بؤسه منتهاه .. كانت أبأس ليلة مضت عليه في حياته كلها ، لم يذق فيها طعم النوم وأخيراً انتفض قائلاً : سأعلن عن نفسي ، الموت أهون من معاناتي ، وسأثق في وعد جلالة الملكة وإذا رفضت أن تعفو عني فليكن …

وكتب رسالة قصيرة ، عبارة عن اعتراف بالهرب من قوات جلالة الملكة منذ عشر سنوات . ثم اغلق الخطاب دون أن يجرؤ على قراءة ما كتب . وامسك قبعته أسرع إلى الخارج واسقط الرسالة في أول صندوق بريد ومرت أيام بطيئة ثقيلة طويلة بينما كان جو ينتظر الرد بقلب مريض سقيم . و أخيراً وصله جواب مكتوب عليه : "حكومة جلالة الملكة" فكاد يسقط على الأرض وتندى جبينه بعرق بارد وارتمى على كرسي قبل أن يجرؤ على فض الغلاف الذي سيتقرر فيه مصيره: طبعاً رفض طلبي وصرت رجلاً مهدر الدم ‍ ما أغباني ‍ لماذا أعلنت عن نفسي .

قال هذا بينما كانت يده المرتجفة تفض الرسالة ولم تصدق عيناه ما رأت حين قرأ "شهادة عفو مطلق" مكتوب باسم جلالة الملكة وممهور باسم القائد العام ‍ نعم لقد عُفي عنه … فوضع الوثيقة الثمينة في صدره ، وبخطوات خفيفة ورأس مرتفع تقدم نحو المكتب ، فقال صاحبه : " ايه يا جو ، نصف جنيه آخر … إنها فرصة لك تشتري بها صمتي " فأجاب جو لن تأخذ مني شيئاً آخر ، لقد أخذت نصيبك يا صديقي وابرز له في نصرة الفرح شهادة العفو . فتعجب زميله في ذهول وقال : ما هذا ؟ آه ‍ لقد عُفي عنك يا جو . فأجاب جو نعم ‍ لقد عُفي عني ‍ فما الحال معك يا عزيزي القارئ ألا تقبل عطية العفو الإلهي المجاني المقدم لك ؟ إن دم يسوع المسيح ابن الله يطهر من كل خطية . لاحظ أن لا بد أن تعترف بأنك خاطئ للسيد الرب حتى تنال العفو الشامل . لا تؤجل ولا تتمهل إن الرب ينتظر أن تأتي إليه سريعاً قبل فوات الفرصة … نعم قبل فوات الفرصة " اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" . "هوذا الآن وقت مقبول هوذا الآن يوم خلاص " . واسمع صوت الرب نفسه يقول : " من يقبل إلي فلا أخرجه خارجاً "

من مجلة النعمة بإذن من أصحاب المجلة

We welcome your comments and articles

Back to first page church magazine # 3

Home

الأعداد السابقة