قـصـة الـعدديخرج الشاب سابوا من بيته و هو في الخامسة و العشرين من عمره مقرراً مغادرة بلدته الصغيرة في بتسوانا ، و يتنقل من مكان إلى آخر إلى أن يستقر في أمريكا . يترك سابوا وراءه أمه المسكينة و أخوته و أخواته في حالة حزن شديد ، و أكثر من ذلك أن أخبار هذا الابن المسافر قد انقطعت سنوات طويلة و اقتنع الجميع أن سابوا قد مات فلو أنه كان على قيد الحياة لأرسل رسالة على الأقل ، ولكن طال الغياب و لا يصل أي خبر عن سابوا ، تمر السنوات ثقيلة على قلب الأم، و لكنها لا تكف عن التفكير بابنها المفقود ، حتى أنها حين كانت هذه الأم تنادي لأحد أولادها فهي سهواً تنادي اسم سابوا قبل أن تنادي الشخص المقصود و جميع من في البيت يقول أمي كفاك تفكيراً بأخينا من المؤكد أنه ليس على قيد الحياة ، و لكن قلب الأم يقول لا إن ابني حي و عندي اليقين أنني سوف أراه يا لقلب الأم رغم انقطاع الأخبار خمس و عشرين عاماً ، ولكنـها ما زالت تحمل الأمل في قلبها لا بل كما قالت لي اليقين بأن ابنها حي . سابوا الآن في الخمسين من عمرة و شاءت الظروف أن يعيش سابوا في الشقة المجاورة لنا هو شخص قليل الكلام ، عندما كان يحتاج سابوا لمعونة كان زوجي يسانده ، و لكننا لم نكن نعرف الشيء الكثير عنه ، و كنا نصلي من أجله و حاولنا أن ندعوه للكنيسة و لكن لم يبد أي اهتمام للمجيء . أذكر أنه في أحد الأيام قرع باب بيتنا و قال: "أنا ذاهب إلى زيارة عائلة خسرت ابنها الوحيد و هو ما زال فتى صغيراً " و أرانا صورة الولد و قال صلوا لأجلي حتى أستطيع أن أعزيهم و استغربنا أنه يطلب منا أن نصلي لأجله و فعلنا . عدة مرات رفعنا سابوا بالصلاة ورجونا الرب أن يجدد قلبه . و قلب الأم يبكي ، والأمل لم ينقطع ، حتى جاء يوم من الأيام قررت فيه الأم بأن تجمع بعضا من أوراق المدرسة بخط يد سابوا و تذهب إلى الكنائس المجاورة و تمسك الأوراق بيدها تشرح قضيتها : " هذا هو خط ابني المفقود هذه أوراقه أنا متيقنة بأن ابني حي و لكن صلوا من أجل أن اسمع منه قبل أن أموت " نعم لقد طلبت الصلاة و تخبرني الابنة الكبرى قائلة لقد فشلت كل محاولاتنا في إقناع أمي بأن أخي ليس على قيد الحياة ، و بالفعل كرست الكنائس وقتاً للصلاة حسب رغبة الأم ، بالرغم من أن الأمر بعيد جداً عن المنطق ، فهل يعقل أن تنقطع أخبار ابن عن أمه خمسة و عشرين عاماً في هذا العصر ؟ و لكن رفعت الصلوات لرب الحياة و سيد الأكوان الذي قلوب الملوك كجداول مياه في يديه.وبعد يومين يتصل راعي إحدى هذه الكنائس و يقول للأم بينما كنا نصلي أعطاني الرب وعداً بأنك سوف تسمعين عن ابنك خلال هذا الأسبوع . الصلوات ترفع في إفريقيا و الروح يعمل إلى أقصى الأرض . في ذات الوقت الذي فيه كانت ترفع الصلوات لأجل سابوا في كنائس إفريقيا ، يقرر سابوا في أمريكا أن يذهب إلى الكنيسة و هناك يسمع سابوا بشارة الخلاص و يقبل الرب يسوع رباً على قلبه ، و يتغير قلب الحجر و تعيش عواطف سابوا من جديد و يتصور قلب أمه المكسور لأجله و يشعر بما فعله تجاه أهله طوال السنين ، لقد انفتح قلب سابوا لأن الرب أعطاه قلباً جديداً قلباً ملؤه المحبة و الحنان ، و يتساءل سابوا أين أمي الآن لقد تقدمت في السن كثيراً و لا أعلم إن كانت على قيد الحياة أم لا و لا أعلم أين تعيش و لا حتى رقم هاتف البيت و لكن سأحاول ، و في ذات الليلة يمسك الهاتف و يتصل بقسم الاستعلامات في بلدته الصغيرة في أفريقيا ، و يسأل موظفة الهاتف قائلاً : " كان يوجد بيت مجاور لمقسم الهواتف في هذه البلدة و كان يعيش فيه العائلة الفلانية منذ خمسة و عشرين عاماً و لكن هل تعلمين رقم هاتفهم؟" أجابته الموظفة لقد توسعت البلدة كثيراً و تغيرت و البيوت المجاورة لمقسم الهواتف كلها تهدمت و صار مكانها أبنية حديثة منذ سنوات ، و لكن حظك جيد أيها الشاب لأن العائلة التي تسأل عنها معروفة بالنسبة لي شخصياً فابنتهم الكبرى هي أعز صديقاتي و ها هو رقم هاتف البنت الكبرى " يدون سابوا الرقم و بسرعة البرق يتصل بالهاتف على الرقم الذي بين يديه و الذي هو الآن أثمن ما يملك و ترد أخته على الهاتف . سابوا: " مرحبا أنا سابوا أخوك الذي غادركم منذ خمسة و عشرين عاماً " تجيب الأخت " غير معقول أخي مات و من أنت هل تنتحل شخصيته " سابوا " لا بل إنني نفسه أنا أخوك الذي تربى معكم خمسة و عشرين عاماً حسناً يا أختاه أتذكرين يوم كنا فيه … أتذكرين حين … و" صار سابوا يذكر حوادث طفولته ليؤكد لأخته أنه هو … " ثم يأخذ سابوا رقم هاتف أمه من أخته ، يرن جرس الهاتف في بيت الأم و ترفع الأم سماعة الهاتف سابوا " أمي أنا سابوا سامحيني يا أماه على تركي إياكم … " الأم " ابني … أيها الغالي كنت متيقنة أنني سأسمع صوتك الغالي أنا الآن في سلام أنت مازلت حياً و الرب أسمعني صوتك " لم تتردد الأم لحظة و لم تشك لحظة في أ ن هذا هو ابنها الذي من لحمها و دمها هذا هو وعد الرب "ستسمعين من ابنك خلال هذا الأسبوع" و مع أنه لم يمض ثلاثة أيام بعد من الأسبوع فقد جاءها وعد الرب و في ظرف ساعات يتحدث سابوا مع جميع أفراد عائلته و كل منهم أصبح في بيت مع عائلته دار الخبر في البلدة و امتلأ البيت بالمهنئين . اليوم التالي في الصباح الباكر تذهب البنت الكبرى مع الأم إلى السفارة الأميركية و يسهل الرب لهما أخذ تأشيرة الدخول إلى أمريكا و يسهل كل الأمور حتى يتحقق الحلم . الأم و البنت الكبرى في الطائرة في الطريق للقاء سابوا البنت تقول لأمها " يا أمي لقد مضت خمس و عشرين سنة على آخر مرة رأيت أخي و هو الآن في الخمسين من عمره لابد أن تغير كثيراً حتى أنني الآن أحاول أن أتخيل كيف كان شكله طوله و ملامحه تكاد تغيب عن مخيلتي تماماً كيف سنعرفه من بين الناس في المطار" و بقلب مفعم بالفرح و البهجة تقول الأم : " من بين الملايين سأعرف من هو ابني لا تهتمي و إن لم تصدقي فسوف أطلب من سابوا أن يخلع حذائه وسترين إصبع رجله المشوه بسبب لسعة الحية له حين كان طفلاً صغيراً " و حطت الطائرة في مطار واشنطن و كان اللقاء لم أكن وقتها لأصف لكم ذلك المشهد الرائع و لكن حتى لو شهدت ذلك اللقاء لعجزت عن وصفه و اترك لك يا عزيزي القارئ و لخيالك أن تتصور لقاء أم لم تفقد الأمل في أن ترى ابنها الغائب طيلة خمسة و عشرين عاماً . إن هذه القصة واقعية و قد تمتعنا بزيارة الوالدة و الأخت أيضاً إلى بيتنا في عيد الفصح الماضي و صار لنا النصيب أن نشاركهم فرحهم الذي لا يعبر عنه .
(كُتبت هذه القصة الواقعية بإذن من أصحاب القصة الحقيقيين مع تغيير بالأسماء)
بقلم الدكتورة ثناء جرجور موسى |
|---|